السيد الخميني

219

الاستصحاب

والمصاديق ، وأن تشخيصه هو الميزان ، مقابل تشخيص العقل الدقيق البرهاني . مثلا : لا شبهة في أن الدم عبارة عن المائع المعهود - الجاري في القلب والعروق ، والمسفوح منه - موضوع للحكم بالنجاسة ، وليس ما يتسامح فيه العرف ويطلق عليه الدم تسامحا موضوعا لها ، لكن العرف مع كمال دقته في تشخيص مصاديقه يحكم بأن اللون الباقي بعد غسل الثوب ليس بدم ، بل هو لون الدم ، لكن البرهان العقلي قام على امتناع انتقال العرض ، فيحكم العقل لأجل ذلك بأن اللون هو الأجزاء الصغار من جوهر الدم . والكلب ليس عند العرف إلا الجثة الخارجية ، والحياة من حالاتها ، وميتة الكلب كلب عندهم حقيقة ، وعند العقل البرهاني لما كانت شيئية الشئ بصورته ، وصورة الكلب نفسه الحيوانية الخاصة به ، فإذا فارقت جثته سلب منها اسم الكلب ، وتكون الجثة جمادا واقعة تحت نوع آخر غير النوع الكلبي ، بل يسلب عنها اسم جثة الكلب وبدنه أيضا ، ويكون إطلاق بدن الكلب على الجثة المفارقة لها الروح مسامحة لدى العقل ، كما هو المقرر في محله من العلوم العالية ( 1 ) ، مع أنها كلب لدى العرف حقيقة . وبالجملة : ليس المراد من كون تشخيص المفاهيم ومصاديقها موكولا إلى العرف هو التسامح العرفي ، فالتسامح العرفي في مقابل الدقة العقلية البرهانية ، لا في مقابل دقة العرف . نعم : قد يكون بين المتكلم والمخاطب في عرف التخاطب وتعارف التكلم بعض المسامحات التي تكون مغفولا عنها لديهم حال التكلم ، ويحتاج التوجه إليها إلى زيادة نظر ودقة ، ومع الدقة والنظرة الثانية يتوجه المتكلم والمخاطب إلى التسامح ، ففي مثل

--> 1 - انظر الأسفار 2 : 25 وما بعدها و 8 : 12 و 9 : 47 و 56 و 186 ، الشواهد الربوبية : 261 - 267 .